منذ البدايات الأولى لتكوّن الوعي الإنساني، انخرط الإنسان في رحلةٍ دائمة للبحث عن المعنى داخل كونٍ مترامي الأطراف يكتنفه الغموض. وقد شكّلت الأسئلة المتصلة بالحياة والموت والوجود جوهرَ التأمل الإنساني، وأسهمت في بناء الحضارات، وتشكيل المنظومات العقدية، وصياغة التقاليد الفكرية والفلسفية التي رافقت تطور الإنسان عبر التاريخ.
In "البناء العربي للمقدس"يقدّم الكاتب دراسةً عميقة ومثيرة للتأمل حول الكيفية التي يتشكّل بها الوعي الديني داخل المجتمعات الإنسانية. ويتناول الكتاب العلاقة المركبة بين الوحي الإلهي والتأويل البشري، مبرزًا أن الفهم الديني لا يقتصر على كونه معطًى متلقّى، بل يتكوّن أيضًا من خلال تفاعلات الثقافة واللغة والسياق التاريخي.
وبدلًا من مقاربة الدين باعتباره منظومةً ثابتة ومغلقة، ينظر إليه المؤلف بوصفه بنيةً ديناميكية متحوّلة، تتشكل باستمرار في تفاعلها مع السياقات الفكرية والاجتماعية والتاريخية لكل عصر. ومن هذا المنظور، يغدو الدين ظاهرةً تأويلية تتجاوز حدود الثبات العقائدي، لتعكس التحولات العميقة التي تطرأ على الوعي الإنساني وأنماط إدراكه للعالم والمعنى.
يشكّل تحليل النصوص العبرية وأثرها في تشكّل البنى الفكرية والدينية أحد المرتكزات المحورية في هذا العمل. فمن خلال قراءة نقدية ذات أبعاد تأويلية وتاريخية، يكشف المؤلف عن الدور الجوهري الذي يضطلع به التأويل في إنتاج مفهوم المقدّس وإعادة تشكيله، مبرزًا أن القداسة لا تُختزل في النص ذاته، بل تتحدد عبر آليات القراءة والفهم والتلقي ضمن سياقات ثقافية وتاريخية متغيرة
تنبع الأهمية المعرفية لهذا العمل من كونه يقدّم إسهامًا نوعيًا للباحثين والمهتمين بمجالات اللاهوت والفلسفة والتاريخ، عبر طرح رؤية معمّقة لطبيعة العلاقة التي يقيمها الإنسان مع مفهوم الإلهي. ومن خلال مقاربة تجمع بين البعد التأويلي والتحليل التاريخي والنقد المعرفي، يفتح العمل أفقًا فكريًا لفهم الكيفية التي تشكّلت بها التصورات الدينية وتفاعلت مع أسئلة الوعي والوجود والمعنى عبر التاريخ.